ابن أبي الحديد
84
شرح نهج البلاغة
بذاتها ، خارجة عن الفلك في الجهة العليا ، بينها وبين الفلك بعد ، اما غير متناه - على ما يحكى عن ابن الهيصم - أو متناه على ما يذهب إليه أصحابه ; وذلك أن هذه القضية وهي قولنا الباري خارج عن الموجودات كلها على هذا التفسير ليست مناقضة للقضية الأولى ، وهي قولنا الباري داخل العالم ، ليكون القول بخلوه عنهما قولا بخلوه عن النقيضين ، الا ترى انه يجوز أن تكون القضيتان كاذبتين معا ، بالا يكون الفلك المحيط محتويا عليه ، ولا يكون حاصلا في جهة خارج الفلك ، ولو كانت القضيتان متناقضتين لما استقام ذلك ، وهذا كما تقول زيد في الدار زيد في المسجد ، فان هاتين القضيتين ليستا متناقضتين ، لجواز الا يكون زيد في الدار ، ولا في المسجد ، فان هاتين لو تناقضتا لاستحال الخروج عن النقيضين ، لكن المتناقض ( زيد في الدار ، زيد ليس في الدار ) ، والذي يستشنعه العوام من قولنا ( الباري لا داخل العالم ولا خارج العالم ) غلط مبنى على اعتقادهم وتصورهم أن القضيتين تتناقضان ، وإذا فهم ما ذكرناه بان انه ليس هذا القول بشنيع ; بل هو سهل وحق ، أيضا فإنه تعالى لا متحيز ولا حال في المتحيز ، وما كان كذلك استحال أن يحصل في جهة ; لا داخل العالم ولا خارج العالم ، وقد ثبت كونه غير متحيز ولا حال في المتحيز ، من حيث كان واجب الوجود ، فأذن القول بأنه ليس في الأشياء بوالج ولا عنها بخارج صواب وحق . وعاشرها : انه تعالى يخبر بلا لسان ولهوات ; وذلك لان كونه تعالى مخبرا هو كونه فاعلا للخبر ، كما إن كونه ضاربا هو كونه فاعلا للضرب ، فكما لا يحتاج في كونه ضاربا إلى أداة وجارحة يضرب بها كذلك لا يحتاج في كونه مخبرا إلى لسان ولهوات يخبر بها . وحادي عشرها : انه تعالى يسمع بلا حروف وأدوات ، وذلك لان الباري سبحانه حي لا آفة به ; وكل حي لا آفة به ; فواجب أن يسمع المسموعات ، ويبصر المبصرات ،